الحلبي
240
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
تعالى عنهم ألف وسبعمائة ، وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان . فقد ذكر أن امرأة من الأنصار دخل عليها رجل من الجيش وهي ترضع صبيها وقد أخذ ما وجده عندها ، ثم قال لها ، هات الذهب وإلا قتلتك وقتلت ولدك ، فقالت له : ويحك إن قتلته فأبوه أبو كبشة صاحب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنا من النسوة اللاتي بايعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأخذ الصبي من حجرها وثديها في فمه وضرب به الحائط حتى انتثر دماغه في الأرض ، فما خرج من البيت حتى اسودّ نصف وجهه وصار مثلة في الناس . قال السهيلي ، وأحسب هذه المرأة جدة للصبي لا أمّا له ، إذ يبعد في العادة أن تبايع امرأة وتكون يوم الحرة في سن من ترضع ، أي ولدا صغيرا لها . ووقعة الحرة هذه من أعلام نبوّته صلى اللّه عليه وسلم . ففي الحديث « أنه صلى اللّه عليه وسلم وقف بهذه الحرة وقال : ليقتلنّ بهذا المكان رجال هم خيار أمتي بعد أصحابي » . وعن عبد اللّه بن سلام رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : لقد وجدت قصة هذه الوقعة في كتاب يهوذا بن يعقوب الذي لم يدخله تبديل ، وأنه يقتل فيها رجال صالحون ، يجيئون يوم القيامة وسلاحهم على عواتقهم ، وهذه الواقعة كانت سنة ثلاث وستين ، ويقال كان يزيد أعذر أهل المدينة قبل هذه الوقعة فيما ذكروه ، وبذل لهم من العطاء أضعاف ما يعطي الناس ، رغبة في استمالتهم إلى الطاعة ، وتحذيرهم من الخلاف ، ولكن يأبى اللّه إلا ما أراد . وفي التنوير أن اللّه ابتلى أمير هذا الجيش الذي هو مسلم بن قتيبة بعد ثلاثة أيام من أخذه البيعة بمرض صار ينبح منه كالكلب إلى أن مات ، وولي أمر الجيش بعده الحصين بن نمير بأمر يزيد ، فإنه وصى مسلم بن قتيبة لما ولاه إمرة الجيش وقال له : إذا أشرفت على الموت أي لأنه كان مريضا بالاستسقاء فولّ أمر الجيش للحصين ، وهذا الذي وقع من يزيد فيه تصديق لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد » . وقد جاء عن سعيد بن المسيب رضي اللّه تعالى عنه : لقد رأيتني ليالي الحرة وما في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غيري ، وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان والإقامة من القبر الشريف . ومما يؤثر عن سعيد بن المسيب : الدنيا نذلة تميل إلى الأنذال ، ومن استغنى باللّه افتقر إليه الناس . ومن جملة من خلع يزيد وقتل من الصحابة في تلك الوقعة مغفل بن سنان